السفير عمرو حلمي يكتب الحرب مع إيران ومستقبل أمن الخليج
على مدى ما يقرب من ثلاثة عقود، استندت معادلة الأمن في الخليج إلى افتراض محوري مفاده أن المظلة الأمنية الأمريكية، بما تمتلكه من تفوق عسكري وتكنولوجي، قادرة على ردع التهديدات الإقليمية ومنع تحولها إلى أزمات استراتيجية تهدد استقرار المنطقة. وقد عززت المكانة الحيوية للخليج في أسواق الطاقة العالمية هذا التصور، إذ جعلت من أمنه مصلحة اقتصادية دولية مشتركة، وأسهمت في تكريس نمط من الردع غير المباشر يقوم على إدراك القوى الكبرى أن أي اضطراب واسع في هذه المنطقة سيحمل كلفة باهظة على الاقتصاد العالمي. غير أن الحرب الأخيرة مع إيران كشفت حدود هذه المعادلة، إذ أظهرت أن الضمانات الأمنية التي بدت راسخة طوال العقود الماضية لم تعد توفر الدرجة نفسها من الطمأنينة الاستراتيجية، وأن طبيعة التهديدات التي تواجهها دول الخليج أصبحت أكثر تعقيداً مما يمكن احتواؤه بالآليات التقليدية للردع.
وفي هذا السياق، مثّلت الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي استهدفت دول الخليج اختباراً عملياً لقدرتها على حماية فضائها الحيوي في زمن تتغير فيه طبيعة الحروب بوتيرة متسارعة. فبرغم نجاح منظومات الدفاع الجوي في اعتراض الغالبية العظمى من الهجمات، كشفت التجربة أن الردع في الحروب المعاصرة لم يعد يعتمد فقط على التفوق التكنولوجي، بل على القدرة على التكيف مع تهديدات متغيرة وبناء منظومات دفاع مرنة قادرة على مواجهة أدوات قتالية منخفضة الكلفة لكنها عالية التأثير. ومن المرجح أن تدفع هذه التجربة دول الخليج إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، ليس فقط عبر زيادة الإنفاق العسكري، بل من خلال تطوير نماذج أكثر تكاملاً للدفاع الجوي والصاروخي، قادرة على التعامل مع طيف واسع من التهديدات، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية. وقد يفتح ذلك الباب أمام أشكال أعمق من التعاون العسكري الإقليمي، رغم ما يحيط بتحقيق تكامل دفاعي فعلي من تعقيدات سياسية ومؤسسية.
وفي موازاة ذلك، من المرجح أيضاً أن تدفع هذه التطورات دول الخليج إلى تنويع مسارات تصدير الطاقة لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز الحيوي. فقد أثبتت خطوط الأنابيب التي تتجاوز المضيق أهميتها الاستراتيجية، لكنها أظهرت أيضاً حدود طاقتها الاستيعابية. ومن أبرز هذه المشاريع خط شرق–غرب السعودي (بترولاين – East-West Pipeline)، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع بطاقة تقارب سبعة ملايين برميل يومياً، وخط حبشان–الفجيرة الإماراتي (ADCOP) بطاقة تبلغ نحو 1.5 مليون برميل يومياً، متجاوزاً المضيق بالكامل. غير أن هذه البدائل، على أهميتها، لا تلغي الحاجة إلى ترتيبات إقليمية ودولية واضحة لأمن مضيق هرمز، بما يشمل التعاون لضمان حرية الملاحة وحماية الممرات البحرية الحيوية من أي تهديدات مستقبلية. وتزداد أهمية هذا التنسيق بالنسبة لدول مثل الكويت وقطر والبحرين التي لا تمتلك منافذ بديلة مباشرة لتجاوز المضيق.
وفي الوقت نفسه، أعادت الحرب تسليط الضوء على العلاقة الوثيقة بين أمن الخليج واستقرار الاقتصاد العالمي. فعلى الرغم من التحولات التي شهدها قطاع الطاقة خلال العقدين الماضيين — من طفرة النفط الصخري في الولايات المتحدة إلى التوسع في الطاقة المتجددة — ما تزال دول الخليج تحتفظ بدور محوري في توازن أسواق الطاقة. وقد أظهرت الأزمة أن أي اضطراب أمني في المنطقة ينعكس سريعاً على أسعار النفط والغاز، وعلى معدلات التضخم والنمو في الاقتصادات الكبرى، بما يؤكد أن استقرار الخليج لا يزال عاملاً أساسياً في استقرار الاقتصاد الدولي.
وتشير هذه التطورات كذلك إلى أن معادلة الأمن في الخليج لم تعد شأناً إقليمياً صرفاً، بل أصبحت جزءاً من مشهد دولي أوسع يتداخل فيه التنافس بين القوى الكبرى. فمع تزايد الحضور الاقتصادي الصيني في المنطقة، واستمرار الدور العسكري الأمريكي، إلى جانب مساعي روسيا لتوسيع نفوذها، يتحول الخليج تدريجياً إلى ساحة توازنات دولية مركبة. ومن ثم، لن يتحدد مستقبل الاستقرار الإقليمي فقط بقدرات دول المنطقة، بل أيضاً بكيفية إدارة التفاعل بين مصالح هذه القوى الكبرى في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية للاقتصاد العالمي.
ورغم هذه التعقيدات، ستظل الولايات المتحدة، في المدى المنظور، الركيزة الأساسية للأمن الخليجي نظراً لتفوقها العسكري والتكنولوجي وشبكتها الواسعة من القواعد والبنى اللوجستية. غير أن العلاقة بين واشنطن وحلفائها الخليجيين مرشحة لأن تصبح أكثر تعقيداً، مع استمرار الاعتماد المتبادل من جهة، وسعي بعض الدول الخليجية إلى توسيع هامش استقلالها الاستراتيجي من جهة أخرى.
وفي المحصلة، تكشف الحرب الأخيرة أن الخليج يدخل مرحلة جديدة من تاريخه الاستراتيجي. فالنظام الأمني الذي تشكل بعد حرب الخليج الأولى لم ينهَر، لكنه لم يعد يعمل بالفاعلية نفسها. والسؤال الذي يواجه صناع القرار اليوم ليس ما إذا كانت معادلة الأمن ستتغير، بل مدى عمق هذا التغيير، وما إذا كان سيقود إلى نظام إقليمي أكثر استقراراً أم إلى مرحلة جديدة من التنافس الاستراتيجي المفتوح.






